مرتضى الزبيدي

204

تاج العروس

إِذا اغتسلْتُ ، وقال ابن قُتيبةَ أَيضاً : كان رسولُ اللّه صلَّى اللّه عليه وسلّم يتَوضّأُ بِمُدٍّ ، فكان يَمْسح بالماءِ يَدَيْه ورِجْلَيْه وهو لها غاسلٌ قال : ومنه قولهُ تعالى " وامسَحُوا برؤُوسكم وأَرْجُلكم " المراد بمسْحِ الأَرجُلِ غَسْلُها . ويستدلّ بِمَسْحِه صلّى الله عليه وسلّم [ برأسه وغسله ] ( 1 ) رِجلَيْه بأَنّ فِعْلَه مُبيِّن بأَنّ المسحَ مُسْتَعْمَل في المعنَيينِ المذكُورَيْن ، إِذ لو لم يُقَل بذلك لَزِم القولُ بأَنّ فِعلَه عليه السلام بطرِيقِ الآحاد ناسِخٌ للكتاب ، وهو مُمتنِعٌ . وعلى هذا فالمسْحُ مُشتركٌ بين مَعنيين ، فإِن جاز إِطلاقُ اللَّفْظةِ الواحدَة وإِرادةُ كِلاَ مَعنَييها إِن كَانت مُشتركةً أَو حَقيقةً في أَحَدِهما مَجازاً في الآخر ، كما هو قولُ الشافِعيّ ، فلا كَلاَمَ . وإِنْ قيل بالمَنْع فالعامِلُ محذُوفٌ ، والتّقدير : وامْسَحوا بأَرْجُلِكم مع إِرادة الغَسْلِ . ومن المجاز : المَسْحُ : القَوْلُ الحَسَنُ من الرّجُل ، وهو في ذلك مَّمن يَخْدَعُك به . مَسَحَه بالمعروف ، أَي بالمعروف من القَوْل وليس معه إِعطاءٌ ، قاله النَّضرْ بن شُميل . قيل : وبه سُمِّيَ المَسيح الدَّجَّال ، لأَنّه يَخْدَع بقوله ولا إِعطاءَ . كالتَّمسيح . والمَسْحُ المَشْطُ . والماشِطَةُ . قيل : وبه سُمِّي المسيحُ الدَّجّال ، لأَنّه يُزَيّن ظاهرَه ويُمَوِّهُه بالأَكاذيب والزَّخارِف . ومن المجاز : المَسْحُ : القَطْع : وقد مَسَحَ عُنُقَه وعَضُدَهُ : قَطَعهما . وفي اللسان : مَسَحَ عُنُقَه وبها ، يَمسَحُ مَسْحاً : ضَرَبها ، وقيل قَطَعها . قيل : وبه سُمِّيَ المَسيحُ الدَّجّال ، لأَنّه يضرِب أَعناقَ الّذين لا يَنقادون له . وقوله تعالى : " رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفقَ مَسْحاً بالسُّوقِ والأَعناقِ " ( 2 ) يُفسَّر بهما جميعاً . وروَى الأَزهَرِيّ عن ثعلب أَنّه قيل له : قال قُطْرب : يَمْسَحُهَا يُبَرِّك عليها ( 3 ) فأَنكره أَبو العبّاس وقال : ليس بشيْءٍ . قيل له : فأَيْش ( 4 ) هو عندَك ؟ فقال : قال الفرَّاءُ وغيرُه : يَضْرِب أَعناقَها وسُوقَها ، لأَنّهَا كانَت سَبَبَ ذَنْبه . قال الأَزهريّ : ونحْو ذلك قال الزّجاجُ ، قال : ولم يَضرِب سُوقَها ولا أَعناقَهَا إِلاّ وقد أَباحَ اللّهُ له ذلك ، لأَنّه لا يَجعلُ التوْبَةَ من الذّنبِ بِذَنْبٍ عَظيمٍ . قال : وقال : قَومٌ إِنّه مَسَحَ أَعْنَاقَها وسُوقَها بالماءِ بيَدِه . قال : وهذا ليس يُشبِه شَغْلَهَا إِيّاه عن ذِكْرِ اللّه ، وإِنّما قال ذلك قَومٌ لأَنَّ قتْلَها كان عندهم مُنْكَراً ، وما أَباحه اللّهُ فليس بمنْكر ، وجائزٌ أَن يُبيحَ ذلك لِسليمانَ عليه السّلامُ في وَقْته وَيحْظُرُه في هذا الوقْت . قال ابنُ الأَثير : وفي حديث سُليمانَ عليه السلامُ فطَفِقَ مَسْحاً بالسُّوقِ والأَعْنَاق قيل : ضَربَ أَعناقَهَا وعَرْقَبَها . يقال : مَسَحَه بالسَّيْف ، أَي ضَرَبَه ، ومَسَحه بالسَّيْف : قطَعَه . وقال ذو الرُّمَّة : ومُستَامَةٍ تُسْتامُ وهْيَ رَخِيصةٌ * تُباعُ بسَاحاتِ الأَيادِي وتُمْسَحُ ( 5 ) تُمْسَح أَي تُقْطَع : والماسِح : القَتَّال ( 6 ) . والمَسْح : أَنْ يَخْلُق اللّهُ الشَّيْءَ مُبارَكاً أَو مَلْعُوناً . قال المُنذرِيّ : قلت لأَبي الهَيْثَم : بلَغَني أَنَّ عيسى إِنّمَا سُمِّيَ مسيحاً لأنه مسع بالبركة وسمي الدَّجّالُ مَسيحاً لأَنّه ممسوحُ العَيْنِ ، فأَنْكرَه وقال : إِنَّمَا المسيح ضِدُّ المسيح ، يقالُ مَسَحه اللّه ، أَي خلَقه خَلْقاً مُبارَكا حَسَناً ، ومَسحَه اللّهُ أَي خَلَقَه خَلْقاً قَبيحاً ملعوناً . قلت : وهذا الذي أَنكره أَبو الهَيثم قد قاله أَبو الحسن القابِسيّ : ونقلَه عنه أَبو عَمْرٍ الداني ، وهو الوَجه الثاني والثالث . وقَولُ أَبي الهيثم الرابعُ والخامس . والمَسْح : الكَذِبُ ، قيل : وبه سُمِّيَ المَسيح الدجّال لكونه أَكْذبَ خلْقِ اللّهِ ، وهو الوَجْه السادس ، كالتَّمْسَاح ، بالفتح ، أَنشد ابنُ الأَعرابيّ : قَد غَلَبَ النَّاسَ بنو الطمَّاحِ * بالإِفْك والتَّكذَابِ والتَّمساحِ وفي المزهر للجلال ، قال سَلاَمةُ بنُ الأَنباريّ في شرح المَقامات : كلُّ ما ورَدَ عن العرب من المصادر على تَفعال فهو بفتح التّاءِ ، إِلاّ لفظتينِ : تِبْيَان وتِلْقَاء . وقال أَبو جعفر النّحّاسُ في شرح المُعلّقَات : ليس في كلام العرب اسمٌ

--> ( 1 ) زيادة عن المصباح . ( 2 ) سورة ص الآية 33 . ( 3 ) كذا بالأصل والتهذيب ، وفي اللسان : " ينزل " تحريف . ( 4 ) فأيش معناه أي شئ ، وحذف لكثرة الاستعمال كما حذفوا في قولهم ويل لأمة فقالوا : ويلمه . ( 5 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله مستامة ، قال في اللسان : مستامة يعني أرضا تسوم بها الإبل وتباع فيها ابواعها وأيديها " . ( 6 ) يقال : مسحهم أي قبلهم .